معادلة التفاوض تحت النار تلهب مياه عُمان، وواشنطن تناور بحاملاتي طائرات، وسلطة بعبدا تبرر الإذعان بـ “الفرصة التاريخية”
51
Share
أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحة انتهاء وقف إطلاق النار محاولاً انتزاع تنازلات ميدانية في مضيق هرمز، بالتزامن مع وصول وفد قطري رفيع المستوى إلى طهران لإحياء الدبلوماسية. هذا المسار المتأرجح بين الاستنزاف والتسوية يتزامن مع حشد بحري أمريكي في خليج عمان، وانكشاف فجوة هائلة بين هستيريا القيادة السياسية في تل أبيب الساعية لتوسيع جبهات الصراع وبين الواقع اللوجستي المتهالك لجيشها، في وقت يندفع فيه رئيس قصر بعبدا جوزيف عون لتنفيذ اتفاق الإطار مبرراً الخطوة باقتناص مكاسب ما وصفها بـ “الحرب العبثية”، توازياً مع اختتام مراسم وداع القائد الشهيد في مشهد التي وضعت ركيزة الدفاع والردع الإيراني في أعلى مستويات الجهوزية.
أولاً: جبهة الخليج ومياه عُمان.. حشد حاملتي الطائرات ومعادلة تفاوض ترامب تحت النار
شهدت المنطقة البحرية المحاذية لإيران استعراضاً عسكرياً أمريكياً واسعاً تزامن مع حراك دبلوماسي مكثف خلف الكواليس لإعادة صياغة شروط الاشتباك:
كماشة الكاريير في مياه عُمان: وثقت صور الأقمار الصناعية عودة حاملة الطائرات يو إس إس جورج بوش إلى خليج عمان، لتستقر على مسافة قياسية بلغت 170 كيلومتراً فقط من السواحل الإيرانية، أي في المدى المباشر للصواريخ الساحلية، ملتحقة بحاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن. هذا التحشيد الضخم، الذي يضم قوى نارية هائلة تعادل مئات المقاتلات، يهدف لفرض حصار بحري وخنق المضيق الذي سجلت حركة العبور فيه أدنى مستوياتها التاريخية وفقاً لـ UKMTO.
نجاح المرافقة والضربات المتقطعة: كشفت مصادر أمنية أن القوات الأمريكية نجحت في مرافقة مجموعة من ناقلات النفط عبر ممرها الخاص، مفسرة الغارات الجوية السابقة التي استهدفت الرادارات ومنصات الصواريخ المضادة للسفن (والتي تنكرها واشنطن رسمياً لتفادي الرد العقابي). وأكدت شبكة سي إن إن أن واشنطن تتبع تكتيك الضربات المتقطعة ثم التوقف، للحفاظ على قائمة أهداف كأوراق ضغط وإفساح المجال للدبلوماسية التي تفضلها الإدارة حالياً خشية التداعيات الاقتصادية.
خرق ترامب الدبلوماسي وصدمة لجنك: أعلن ترامب موافقته على استمرار المحادثات الفنية لكنه أبلغ الإيرانيين بعبارات قطعية أن وقف إطلاق النار قد انتهى، وهو خرق صريح للبند الأول من مذكرة التفاهم. وترافق ذلك مع اتهامات مندوبة واشنطن في مجلس الأمن لطهران بمنع مفتشي الوكالة الدولية من الوصول لليورانيوم المخصب، تزامناً مع حراك قطري باكستاني مصري تركي مكثف في طهران، حيث يزار وفد قطري العاصمة الإيرانية لتهيئة ظروف المفاوضات التي نفت مصادر إيرانية أن تستضيفها سويسرا الأسبوع المقبل.
ترامب يسخر من تقارير تل أبيب: في سياق متصل، سخر ترامب من معلومات استخبارية إسرائيلية حول مخطط إيراني جديد لاغتياله، مؤكداً أن طهران تريد قتله منذ سنوات ولا جديد في هذه التقارير، كاشفاً أنه ترك تعليمات بسحق إيران بمستويات لا مثيل لها في حال تصفيته. وفي غضون ذلك، رصدت أجهزة التتبع الملاحي تحركات تكتيكية تضمنت مغادرة 3 طائرات تزود بالوقود KC-135R من قاعدة الأمير سلطان نحو فرنسا، تزامناً مع تبادل مهام طائرات الاستطلاع الإلكتروني RC-135W (OLIVE32 و OLIVE34) العائدة إلى قواعدها.
مع وصول جثمان الإمام الشهيد علي خامنئي إلى محطته الأخيرة ومواراته الثرى في مشهد وسط زحف بشري هائل، صاغت القيادة الإيرانية العسكرية والسياسية معادلات مرحلة ما بعد الوداع:
الرد بالمثل ولا أمان للكيان: أعلن أمين سر المجلس الأعلى للأمن القومي محمد باقر ذو القدر أن أي استهداف للبنية التحتية الإيرانية سيقابل فوراً برد مماثل، مؤكداً أن الكيان الصهيوني لن يكون في مأمن من ضربات المقاتلين باعتباره المحرك الفعلي للعدوان. وأضاف خطيب جمعة طهران المؤقت أبو ترابي فرد أن الجيش الأمريكي أخفق في السيطرة على هرمز، وأن موازين القوى تميل كلياً لصالح المحور المقاوم.
معادلة قاليباف وجليلي: أطلق رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف موقفاً حاسماً أكد فيه أن نهاية الصراع لن تكون باستسلام إيران، مبيناً أنه أبلغ نائب رئيس الولايات المتحدة خلال المفاوضات السابقة بعدم ثقة طهران المطلقة بهم، ومشدداً على أن من يستطيع التفاوض مع واشنطن هو المستعد للحرب. من جهته، أكد سعيد جليلي أن الانتقام هو أكبر حق للشعب الإيراني لحماية القانون الدولي والسيادة الوطنية، وأن طهران لن تتنازل قيد أنملة عن حقوقها.
الرصيد الدفاعي للدماء: شدد القائم بأعمال وزارة الدفاع اللواء مجيد ابن الرضا ومساعد المرشد محمد مخبر على أن طوفان التشييع المليوني شكل دعامة إستراتيجية للقوة الدفاعية وهندسة المقاومة، واصفين الهجمات الأمريكية الأخيرة بأنها انعكاس للرعب الغربي من هذه الانتفاضة الشعبية الشاملة التي ارتقت بالتلاحم إلى مستوى هندسي جديد لا تحده حدود.
ثالثاً: الاحتكاك الإقليمي المتصاعد.. صراع القواعد في سوريا وهستيريا الليكود
تتمدد شظايا الانفجار العسكري في الخليج لتعيد رسم مصفوفة الخلافات الإقليمية التركية الإسرائيلية وتكشف حجم الأزمات الداخلية للعدو:
حرب القواعد في سوريا: رداً على انتقادات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لسياسات نتنياهو ووصفها بالمهددة للأمن العالمي والاقتصادي وبأنها تبحث عن عدو جديد لتبرير أزماتها الانتخابية (محاولة استهداف تركيا)، أطلق وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين تهديداً سافراً أكد فيه أن إسرائيل سترد بالمثل على أي تحرك عسكري تركي في سوريا، بحيث تقابل كل قاعدة تركية بقاعدة إسرائيلية.
هستيريا نتنياهو الانتخابية: كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت نقلاً عن مصادر في حزب الليكود أن بنيامين نتنياهو يعيش حالة هستيريا حقيقية جراء استطلاعات الرأي التي تؤكد خسارة معسكره للأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة في انتخابات أكتوبر المقبل، مما يدفعه لتوسيع صلاحياته الفردية لتغيير هوية المرشحين في القائمة لإنقاذ بقائه السياسي من السجن المحتوم.
عزلة الكيان الدولية ودعوات إيمانويل: شن كبير موظفي البيت الأبيض السابق رام إيمانويل هجوماً لاذعاً على حكومة الاحتلال، مؤكداً أن إسرائيل فقدت جميع حلفائها في أمريكا وأوروبا ولم تفز إلا بدعم إقليم أرض الصومال، مطالباً بإنهاء الدعم المالي المجاني لميزانية الدفاع الإسرائيلية وإخضاعها للقوانين والقيود المطبقة على بقية الحلفاء. وتزامن هذا التآكل مع إقرار البرلمان الألماني لقانون يجرّم إنكار حق إسرائيل في الوجود بعقوبة تصل إلى 5 سنوات سجن، في محاولة غربية لحماية الكيان قانونياً بعد سقوطه الأخلاقي والميداني العنيف.
رابعاً: جبهة لبنان.. انبطاح بعبدا تحت شعار “الفرصة” والتفجير المستمر في الجنوب
في الساحة اللبنانية، يظهر شرخ حاد بين اندفاعة السلطة السياسية نحو الإذعان والتنسيق الخارجي وبين وقائع الاستنزاف الميداني المستمر:
منطق الإذعان لعون وسقوط التهدئة: في موقف يعكس انفصاماً عن الواقع الميداني، أعلن رئيس الجمهورية جوزيف عون تمسكه المطلق بـ “اتفاق الإطار” والمشاركة في مفاوضات روما المقررة منتصف الشهر الحالي عبر وفد حاملاً أجوبة للجان السياسية والأمنية والاقتصادية المشتركة، واصفاً الاتفاق بأنه “فرصة تاريخية” لاستعادة مكاسب ضاعت في حرب وصفها بـ “العبثية”، ومبرراً التنازلات بالزخم الأمريكي القائم ومستنداً لدور الموفد السعودي يزيد بن فرحان، معتبراً بتضليل واضح أن حزب الله بات ضعيفاً جداً ومعزولاً. وتزامن هذا الموقف مع تقرير لصحيفة هآرتس يفيد بقرب انتشار الجيش اللبناني خلال أيام في مناطق يسيطر عليها الاحتلال كجزء من الترتيبات الأمنية المذلة.
خروق صهيونية وتدمير ممنهج في الخط الأصفر: بالتزامن مع إعلان هيئة البث الإسرائيلية أن حكومة نتنياهو أوقفت بعض العمليات الحساسة في الجنوب بطلب أمريكي، واصل جيش الاحتلال تدميره الممنهج عبر تنفيذ تفجير ضخم وواسع النطاق للمباني في بلدة الخيام، وشن غارات عبر الطيران المسير استهدفت سيارة في دوحة كفررمان (أسفرت عن ارتقاء شهيد) وبلدة كفردجال في بنت جبيل (سجلت جريحين)، وقصف مدفعي طال دير سريان، توازياً مع تحليق كثيف للمسيرات في أجواء العاصمة بيروت والضاحية الجنوبية لتثبيت شروط الاستسلام السيادي.
عين التينة بوجه فخ بعبدا: في المقابل، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري حجر عثرة أمام محاولات التفرد بقرار السلم والحرب؛ حيث وجه ضربة سياسية لمساعي بعبدا بتأكيده لصحيفة الأخبار أن التعهدات التي نقلها ترامب عن دمشق بخصوص محاصرة المقاومة كاذبة وسوريا ليست في هذا الوارد أبداً، مشدداً على أن الحل الوحيد والنهائي للبنان يمر حكماً عبر العودة إلى ما ورد في مذكرة التفاهم الإيرانية-الأمريكية (اتفاق إسلام آباد).
الخلاصة والمآلات الاستراتيجية
يؤكد المشهد الجيوسياسي لليوم الثالث والعشرين أن الإقليم دخل مرحلة عض الأصابع تحت مظلة دبلوماسية قسرية مشحونة بالنار. إن اضطرار إدارة ترامب لتعليق غاراتها واللجوء لـ “الضربات المتقطعة” هو إقرار ضمني بعجز ترسانتها التقليدية عن كسر السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، مما دفعها لحشد حاملتي طائرات كأداة ضغط قصوى لمنع الانهيار التام في مفاوضات التهدئة الإقليمية وانتزاع ورقة المضيق كأداة ضغط تفاوضية.
إن محاولات نتنياهو اليائسة لتوريط واشنطن بـ “مكيدة اغتيال ترامب”، وتوسيع الصراع نحو الساحة السورية والتركية، تعكس عمق أزمته الوجودية وهستيريته السياسية مع اقتراب موعد سقوط ائتلافه في صناديق الاقتراع، وتآكل مخزون آلياته وجاهزية جيشه اللوجستية التي تعاني من حظر قطع الغيار الأوروبية (الألمانية تحديداً) والتي باتت تجبر جنوده الصهاينة على السير مشياً تحت وطأة ضربات الاستنزاف.
أما في لبنان، فإن اندفاعة بعبدا نحو مفاوضات روما والقبول بملاحق سرية تشرعن التدخل الصهيوني تحت شعار إنهاء “الحرب العبثية”، تمثل مغامرة سياسية غير محسوبة ستصطدم بحتمية المعادلة الميدانية والعقائدية؛ فالمقاومة التي أنهت لتوها مراسم موارة قائدها الثرى في مشهد، لن تسمح بتجير تضحياتها لصالح صندوق إعمار دولي مشبوه يديره الاحتلال عبر لجان حسن الجوار، وسيبقى السقف الزمني لضبط النفس مهتزاً وقابلاً للانكسار مع كل تفجير صهيوني في الخيام أو غارة في كفررمان، لتكتب معادلة السيادة الحقيقية بالدفاع الشامل والردع الخشن الذي تتقن جبهات المحور لغته أكثر من لغة الاتفاقيات الورقية الميتة وسقوف الهدنة المؤقتة الزائلة.