أفق نيوز
آفاق الخبر

الثورات وكارثية التدخل الخارجي

56

د / عبدالملك الجهمي

الثورات كالبراكين عندما تنفجر لا يقف و لا ينبغي أن يقف في وجهها شئ. و هي رغم عنفها و قسوتها رد فعل طبيعي على ظواهر الفساد و الاستئثار و غياب العدالة و تهميش قطاعات واسعة من الشعب و تعميق الشعور بانسداد الأفق و غياب الأمل، كما أن البراكين تعبير أو تنفيس طبيعي لما يعتمل في باطن الأرض.

لكل ثورة طرفان متصارعان: ثائر و مثار عليه. الأول يسعي نحو التغيير و الثاني يقاوم ذلك المسعى و يتربص به. و في سياق الثورة يكون الصراع بين هذين الطرفين طبيعيا و إن كان عنيفا و مدمرا. هذا الصراع ينبغي أن يترك على حاله و أن لا يُتدخل فيه من الخارج بما يحول دون أن يصل إلى نهايته أو دون حل الإشكالية التي أدت إلى الثورة و بالتالي نزع الفتيل الذي بدأ شرارتها. أي تدخل خارجي مهما كانت عناوينه و مبرراته يحرف مسار الثورة و يوقفها عن استكمال أهدافها دون أن يعالج أسبابها الحقيقية، و  يؤسس لوضع مسخ و غير طبيعي يجمع بين المتناقضات و يؤسس لدورات عنف يتواضع أمامها عنف الثورة الأم لو تركت لحالها.

و الأمثلة على كارثية التدخلات الخارجية و المسخ الذي تؤدي إليه ماثلة للعيان في بلدان ما سمي بثورات الربيع العربي. و ما الحديث عن الثورات المضادة و الدولة العميقة إلا عبارات رنانة لا معنى لها خارج سياق هذه التدخلات.

انطلقت هذه الثورات بشرارة من جسد البوعزيزي في تونس. كانت هذه الشرارة كافية لصنع كرة من النار تدحرجت حتى أدت إلى هروب الرئيس. هروب الرئيس كان اللحظة التي قالت للشعب التونسي إن الطريق نحو مستقبل أفضل أصبح مفتَّح الأبواب. هذه اللحظة ألهمت الثورة في مصر و أدت بعد أسابيع قليلة إلى سقوط رأس النظام هناك، وهو ذات السقوط الذي ألهم الثورة في كل من ليبيا و اليمن و البحرين و سوريا، و بقية القصة صارت معروفة.

كل هذه الثورات لم تُترك لشأنها. فجاء التدخل الغربي و العربي في ليبيا و السعودي في البحرين و الخليجي في مصر و السعودي في اليمن و التركي القطري السعودي الغربي الايراني الروسي في سوريا. و مهما كانت عنواين هذه التدخلات و ما سيق لها من مبررات فأنها قضت على فرص الأمل في هذه الثورات و أسست للوضع اللاطبيعي الذي نشاهده في هذه البلدان، و أدت إلى تمدد القاعدة و داعش و أخواتهما.

للثورة طرفان: ثائر و مثار عليه. و هذان الطرفان هما الوحيدان اللذان يكون الصراع بينهما طبيعيا. تدخل الأطراف الخارجية في الصراع كارثي على مستقبل الثورة سواء  أ كان هذا التدخل إعلاميا بتشويه الوعي و تحريف الوقائع أم سياسيا بدعم طرف على حساب طرف أم عسكريا بتقوية شوكة طرف على الآخر أو منعه من السقوط.

تبدأ الثورة بطرف ثائر ضعيف و طرف مثار عليه قوي. ضعف الطرف الأول مصدر قوته و قوة الطرف الثاني نقطة ضعفه. و الخطيئة الأولى التي يرتكبها الطرف الثائر هو استنجاده بالخارج أيا كان و ترحيبه بهذا التدخل و تبريره. شاهدنا كارثية هذا التدخل و ما زلنا في كل من ليبيا وسوريا و اليمن.

تنتهي الثورة أيضا بطرفين لكن بواقع جديد و ربما بنظام جديد. هنا تأتي الخطئية الثانية التي يرتكبها الطرف الثائر حين ينتصر لا سيما بأدوات التدخل الخارجي و تتمثل في إقصاء الطرف المثار عليه و تهميشه أو التصرف على أساس أنه قد اختفى أو تبخر من المشهد. الاستئثار و الاقصاء و الاجراءات الاستثنائية ضد الخصوم يخلق مظلومية جديدة تنظم إلى المظلوميات السابقة و يضع البذرة الأولى لثورة جديدة و لو بعد حين. شاهدنا ذلك – و إن بنسب متفاوته – في تونس و مصر و ليبيا عندما حُلت الأحزاب الحاكمة و أصدرت في شأنها أحكام استثنائية عامة لا تفرق بين متهم و برئ و من يستحق و من لا يستحق، فتحولت الثورة الواحدة إلى ثورتين و الصراع الواحد إلى صراعات شتى.

خارج سياق ثورات الربيع العربي و بالتحديد في شمال اليمن قامت ثورة 26 سبتمبر (أيلول) 1962 ضد النظام الملكي القائم آنذاك. استدعى الطرف الثائر (الجمهوريون) التدخل العسكري المصري و استدعي الطرف المثار ضده (الملكيون) التدخل السعودي. هذان التدخلان جعلا البلاد تدخل حربا أهلية استمرت أكثر من ثمان سنوات.

يعرف المصريون اليوم كم كان ذلك التدخل كارثيا على بلادهم، في حين تظل مقولة أنه لولا ذلك التدخل لما نجحت ثورة اليمن مجرد ادعاء لايمكن نفيه و لا يمكن اثباته.

و رغم أن الكثير من اليمنيين ينظرون بإيجابية للتدخل المصري فإن الحقيقة التي لم تكن أوضح في أي وقت منها الان أن ثورة اليمن عام 1962 لم تنجح، و أن أيا من أهدافها لم يتحقق، و أن الفترة الوحيدة الزاهرة التي شهدها اليمن هي السنوات القليلة الثلات التي حكم خلالها الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي، و أن هذه الفترة جاءت عقب انتهاء التدخل المصري و انحسار التدخل السعودي في اليمن. أما الوضع الكارثي الذي تعيشه اليمن الآن فنتيجة لانحراف اليمن عن مسارها مع عودة التدخل الخارجي السعودي عقب اغتيال الرئيس الحمدي وإبان حكم الرئيسين الغشمي و صالح.

و بالعودة إلى ثورة 2011  في اليمن، ليس خافيا على المعنيين بالشأن اليمني أن التدخل السعودي المتمثل في مبادرتها الخليجية أسس للأزمة الطاحنة التي تعصف بالبلاد حاليا. يعرف ثوار اليمن أن ثورتهم سرقت أولا من قبل شركاء النظام المثار عليه الذين ركبوا موجة الثورة عقب جمعة الكرامة في 18 مارس (أذار) 2011، و أن المبادرة الخليجية جاءت لتوفق بين النظام و الخارجين عليه و تجمع بين النقيضين غير عابئة بالأسباب الحقيقية التي أدت للثورة و لا ملتفتة إلى قطاعات واسعة رئيسة و أصيلة من مكونات الثورة و الشعب كالشباب و المرأة و أنصار الله و الحراك.

ليس غريبا إذن أن تكون نتائج هذا التدخل كارثية ابتداء بحكومة هي الأكثر فسادا منذ عقود و انتهاءا برئيس هو الأكثر عجزا و  فشلا بين كل الرؤساء السابقين و مرورا بثورة (أو انقلاب سمه ما شئت) في 21 سبتمبر (أيلول) 2014 ضد الفساد. هذا التدخل تم تتويجه في 25 مارس (أذار) 2015  بعدوان و حصار سعودي مباشرعلى اليمن جوا و بحرا يقتل و يدمر كل شئ و لا يستثني من وطأته أحدا و بحرب أهلية في مدن الوسط و الجنوب.

الثورة بطبيعتها صادمة وصدمتها ضرورية لتهيئة نفوس مؤيديها و معارضيها للتغيير القادم و للواقع الجديد الذي سيتشكل بعدها و لخلق فرصة حقيقية لبداية جديدة أكثر أملا و واعدية من ذي قبل و أقدر على أن لا تقع في أخطاء الماضي. التدخل الخارجي يمنع هذه الفرصة و يقتلها في المهد و لا يبقي من الثورة إلا عنفها.

والثورات كالبراكين يجب أن لا تُمنع من استكمال مراحلها أو يُوقف في وجهها، و العنف الذي تحمله ليس شيئا مقارنة بالكارثة التي تنشؤ عن التدخل الخارجي في منعها أو حرفها عن مسارها.