أفق نيوز
الخبر بلا حدود

اليوم الثامن بعد المئة – طوفان الترحيب الدولي بمذكرة إسلام آباد وعصيان تل أبيب لقرارات البيت الأبيض

50

أفق نيوز| تقرير| طلال نخلة 

دخل الصراع الإقليمي الكبير يومه الثامن بعد المئة على وقع زلزال دبلوماسي وسياسي أعلن ملامحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بإتمام التفاهم التاريخي مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية والرفع الفوري والشامل للحصار البحري. وبينما بدأت أسعار النفط العالمية بالهبوط الحاد تعبيراً عن الانفراج الجيوسياسي، انفتحت عواصم العالم على موجة ترحيب دولية واسعة بقيادة الرياض والكويت والاتحاد الأوروبي وبكين، مشيدين بحنكة الدبلوماسية الإقليمية التي صاغت مسار إسلام آباد.
وفي المقابل، استفاقت تل أبيب على ما وصفته وسائل إعلامها بالكارثة الاستراتيجية المطلقة؛ حيث وجد بنيامين نتنياهو نفسه وحيداً خارج حسابات الإدارة الأمريكية، ليعلن تمهيداً لتمرد علني أبلغ فيه ترامب بأن كيانه غير ملزم بالبند المتعلق بلبنان، متشبثاً ببقاء قواته في المنطقة الأمنية، في محاولة يائسة لفرض وقائع ميدانية عبر القصف وتجريف الطرقات لمنع عودة الأهالي.

أولاً: قمة جنيف المرتقبة ولغز كبرياء طهران في ليلة الحسم

كشفت التقارير الدبلوماسية المنشورة في صحيفة نيويورك تايمز عن أبعاد اللقاء التاريخي الذي سيعقد يوم الجمعة المقبل 19 حزيران/يونيو في سويسرا؛ حيث سيتوجه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى جنيف لتوقيع مذكرة التفاهم رسمياً مع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، في أرفع تمثيل مباشر بين البلدين منذ 47 عاماً.
ونقلت الصحيفة تفاصيل بالغة الإثارة عن اللحظات الأخيرة للتفاوض التي تمت بعد منتصف ليل الاثنين؛ حيث أصر المسؤولون الإيرانيون بشكل قاطع على عدم إتمام أو إعلان التفاهم يوم الأحد، تجنباً لمنح ترامب هدية سياسية في ذكرى ميلاده الثمانين. وقد أتاح فارق التوقيت بين واشنطن وطهران للمفاوض الإيراني التحكم بعقارب الساعة، فارضاً الاحترام المتبادل والندية الكاملة، ومثبتاً أن طهران لا تمنح مكاسب مجانية للبيت الأبيض، في حين تولى ترامب شخصياً تعديل الصياغات الحساسة للتوافق مع الإطار الإيراني الذي يؤجل نقاش الملف النووي ورفع العقوبات إلى مهلة الستين يوماً القادمة المشروطة بالتزام واشنطن.

ثانياً: طوفان الترحيب الدولي والعربي بمعاهدة السلام

شهدت الساحتان الدولية والإقليمية تدفقاً لبيانات التأييد التي كرست شرعية الانتصار الدبلوماسي لطهران:
* الموقف السعودي والكويتي: رحبت وزارة الخارجية السعودية بالاتفاق لإنهاء العمليات العسكرية، مثمنة جهود باكستان وقطر، ومؤكدة على أهمية استعادة أمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز بما يخدم المصالح الأمنية لدول المنطقة. بدروها أشادت الخارجية الكويتية بالتفاهم داعية للانخراط في مفاوضات الستين يوماً بروح إيجابية لترسيخ الاستقرار وحسن الجوار.
* الاندفاعة الأوروبية والدولية: أعلنت مسؤولة العلاقات الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس، ورئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، عن ترحيبهما بالاتفاق الذي يمهد لتخفيف أزمة الطاقة العالمية، مع التشديد على وجوب التنفيذ السريع لوقف حقيقي لإطلاق النار يحترم سيادة لبنان ووحدة أراضيه. كما بارك رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر والخارجية الصينية المسار الدبلوماسي كبديل لخيارات الحرب.

ثالثاً: العويل الصهيوني.. اتهام كوشنير ببيع إسرائيل وجلد الذات في تل أبيب

سادت أجواء الصدمة والذهول الأوساط السياسية والإعلامية في الكيان المحتل، وتفجرت الاتهامات الداخلية بشكل غير مسبوق:
* فضيحة السمسرة والتنازل: شن الصحفي الصهيوني يانون مغال المقرب من نتنياهو هجوماً عنيفاً، معلناً أن ترامب خرج خاسراً، واتهم مستشاري الرئيس الأمريكي (ويتكوف وجاريد كوشنير) بأنهم باعوا إخوانهم في إسرائيل بعد أن اشترتهم قطر بمبالغ طائلة، مشيراً إلى أن دول الخليج الخائفة تطوعت بدفع المليارات للإيرانيين لإنقاذ نفسها.
* إقرار الفشل من غانتس وآيزنكوت ولابيد: أكد بيني غانتس أن الاتفاق يمثل إخفاقاً استراتيجياً هائلاً يقيد حرية عمل الكيان، بينما أشار غادي آيزنكوت إلى وجود هوة واسعة بين وعود النصر المطلق الفارغة وبين حقيقة الصباح الصادم الذي لم يحقق فصلاً للساحات ولم يمس الصواريخ الإيرانية. ووصف زعيم المعارضة يائير لابيد المشهد بأنه تحول كامل لإسرائيل إلى دولة تابعة تتلقى التعليمات، معتبراً أن الاتفاق يمثل مصلحة صافية لحماس وحزب الله وإيران.

رابعاً: جبهة جنوب لبنان.. تمرد نتنياهو المأزوم ومحاولات قضم المكاسب

على الرغم من الشمولية القانونية للاتفاق والتي تؤكد وقف الحرب كلياً في لبنان، يحاول المستوى السياسي والعسكري الصهيوني التمرد للهروب من التزاماته:
* عصيان كاتس ونتنياهو: أبلغ نتنياهو الرئيس الأمريكي ترامب صراحة بأن إسرائيل غير ملتزمة بالبند اللبناني ولن تسحب قواتها. وأكد وزير الحرب يسرائيل كاتس المضي في سياسة إقامة مناطق أمنية خالية من السكان في جنوب لبنان وسوريا وغزة دون سقف زمني، مهدداً بمهاجمة إيران إن تدخلت، ومحاولاً إسقاط مصطلح حرية الحركة من بيانه بعد أن تلاشت قدرة جيشه على فرضه ميدانياً. فيما اعتبر بن غفير أن اتفاق ترامب لا يفرض التزاماً على تل أبيب.
* موقف الرئيس نبيه بري الحاسم: أشاد دولة رئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه بري بمذكرة التفاهم، موجهاً الشكر لطهران وواشنطن على تضمين الاتفاق بنداً أساسياً وملزماً بوقف العدوان على لبنان كل لبنان بما يحفظ سيادته الكاملة، منوهاً بيقظة المقاومة والقيادة السياسية في عدم الوقوع في الفخ الذي نصبه نتنياهو لفصل المسارات وانتزاع تنازلات من السلطة اللبنانية، مؤكداً أن مسار واشنطن التفاوضي قد انهار أمام مرجعية إسلام آباد.
* الميدان والحركة الشعبية العارمة: فور إعلان وقف العمليات العسكرية، تدفقت حركة سير كثيفة وهائلة من العائلات والنازحين على الأوتوستراد الساحلي باتجاه قرى الجنوب. وباشرت آليات البلديات في صور وبنت جبيل فتح الطرقات المغلَّقة بالركام وسط دعوات رسمية للتريث. وفي المقابل، عمد جيش الاحتلال المأزوم إلى قصف أطراف كفرتبنيت والنبطية الفوقا بالمدفعية، وتوغل نحو أطراف كفرشوبا، وقام بجرف وإغلاق معابر حيوية لمنع الأهالي من الوصول، مما دفع الجيش اللبناني لإغلاق دوار كفررمان ومدخل النبطية الفوقا مؤقتاً لحماية المدنيين من الغدر الصهيوني.

خامساً: البنود التقنية والتنفيذية لمعادلة هرمز وبدء فتح المضيق

وفقاً للمعطيات الفنية الموثقة للاتفاق الإطاري، تبدأ الترتيبات اللوجستية في الخليج على النحو التالي:
* تصفير الرسوم وتطهير الممرات: التزمت إيران بعدم تحصيل أي رسوم عبور من السفن التجارية في مضيق هرمز طيلة مهلة الستين يوماً القادمة.
* نزع الألغام: تبدأ القوات البحرية الإيرانية بالتنسيق مع سلطنة عُمان عمليات تطهير وتخلص تدريجي من الألغام البحرية في المضيق طيلة الشهر الأول، على أن يُفتح المضيق بكامل طاقته في الاتجاهين مجاناً وبإدارة مشتركة بين مسقط وطهران بدءاً من يوم الجمعة المقبل، بالتزامن مع إعلان انتهاء الحصار الأمريكي رسمياً.

الخلاصة والتوقع الاستراتيجي الشامل

يسجل التاريخ في اليوم الـ 108 للحرب سقوط أوهام سحق محور المقاومة؛ فصيغة اتفاق إسلام آباد التي نُزعت بأعصاب إيرانية باردة فرضت إنهاء الحرب الشاملة وكسرت معادلة فصل الساحات كلياً، محولة اندفاعة ترامب إلى صك إقرار بالقوة الندية لطهران.
المسار الميداني والسياسي القادم: المنطقة تعيش مرحلة كباش وتضاغط حاد ستمتد حتى نهاية العام. إن أي حماقة إضافية يرتكبها ترامب، سواء عبر التلاعب ببنود الاتفاق أو عجزه عن لجم التمرد الصهيوني، ستؤدي حتماً إلى تفعيل تهديد إيراني جديد ومباشر بإغلاق مضيق هرمز كلياً أو توجيه ضربات قاصمة للكيان. هذا السيناريو سيؤدي فوراً إلى تأجيل أو نسف مراسم التوقيع المقررة في سويسرا يوم الجمعة، مما سيُظهر للعالم أجمع مجدداً أن المعرقل الأوحد للسلام هو الكيان الإسرائيلي، لتتضاعف عزلته الدولية وتختنق خياراته يوماً بعد يوم.
أما على الجبهة اللبنانية، فإن إعلان نتنياهو ووزير حربه رفض الانسحاب ومواصلة تجريف الطرقات وقصف أطراف القرى، لن يمر مرور الكرام. إن بقيت آلة الحرب الإسرائيلية تدك الجنوب وتُصر على احتلاله، فإن المقاومة الإسلامية لن تقف مكتوفة الأيدي؛ فالأرض لا تزال رطبة بدماء الشهداء الطاهرة التي روت ترابها، واليد العسكرية للمحور لا تزال قابضة بقوة، والأصابع لم ولن تغادر الزناد حتى يتحقق التحرير الكامل والانسحاب الشامل.