أفق نيوز
الخبر بلا حدود

الهجرة النبوية وسنن التغيير الإلهي .. أبعاد ودلالات الرؤية التي قدمها السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي لعبور الأمة من الاستضعاف إلى التمكين

50

أفق نيوز| طارق الحمامي

تمثل الهجرة النبوية واحدة من أعظم المحطات المفصلية في التاريخ الإسلامي، ليس فقط باعتبارها حدثاً تاريخياً غيّر مسار الدعوة الإسلامية، بل لأنها جسدت مشروعاً إلهياً متكاملاً للتغيير الحضاري وصناعة الأمة القادرة على حمل رسالة الإسلام وتحقيق أهدافها الكبرى، ومن هذا المنطلق قدّم السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي في كلمته بمناسبة العام الهجري 1442هـ قراءة عميقة للهجرة النبوية، تجاوزت حدود السرد التاريخي إلى استحضار الدروس والسنن الإلهية التي تحكم حركة المجتمعات والأمم عبر التاريخ، وتبرز أهمية هذه الرؤية في ربطها بين أحداث الماضي وواقع الأمة الراهن، حيث قدم السيد القائد الهجرة باعتبارها مدرسة متجددة في الوعي والبصيرة والثبات، ومصدراً لإلهام الشعوب في مواجهة التحديات والأخطار ومشاريع الهيمنة والاستكبار.

الهجرة النبوية.. محطة التحول التاريخي الكبرى

يشير السيد القائد إلى أن اختيار الهجرة النبوية منطلقاً للتقويم الإسلامي يحمل دلالات عميقة، تعكس المكانة الاستثنائية لهذا الحدث في مسار الرسالة الإسلامية، فالهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكة إلى المدينة، بل مثلت انتقالاً من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة، ومن واقع الاضطهاد إلى واقع التمكين، ومن دائرة الحصار إلى فضاء التأثير الحضاري الواسع،
ومن هذا المنظور فإن استذكار الهجرة لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفاء بالمناسبة، بل يجب أن يتحول إلى عملية استلهام واعية للدروس والعبر التي تحتاجها الأمة في مواجهة أزماتها وتحدياتها المعاصرة.

 

الصراع بين الحق والطاغوت.. جوهر المعركة عبر التاريخ

تتوقف رؤية السيد القائد عند أحد أهم الدروس التي تقدمها الهجرة النبوية، والمتمثل في طبيعة الصراع بين مشروع الحق ومشاريع الطاغوت والاستكبار، فالمشكلة التي واجهها الأنبياء لم تكن في غياب الحجة أو ضعف البرهان، بل في وجود قوى متنفذة رأت في رسالة السماء تهديداً مباشراً لمصالحها وسلطتها ونفوذها، وفي هذا السياق يوضح أن المستكبرين عبر التاريخ سعوا إلى السيطرة على المجتمعات من خلال تشكيل وعيها وصياغة مفاهيمها بما يخدم استمرار هيمنتهم، ولذلك وقفوا في مواجهة الأنبياء والدعاة إلى الله، لأن الرسالات الإلهية جاءت لتحرير الإنسان من العبودية للطاغوت وإعادته إلى عبودية الله وحده، وتحمل هذه الحقيقة دلالة مهمة في واقع الأمة المعاصر، حيث لا تزال قوى الهيمنة العالمية تستخدم الأدوات ذاتها في التضليل والسيطرة وصناعة الوعي الزائف بما يخدم مشاريعها وأهدافها.

 

سنة الاستبدال .. قانون إلهي يحكم حركة الأمم

من أبرز المفاهيم التي ركز عليها السيد القائد مفهوم “الاستبدال” باعتباره سنة إلهية ثابتة في حركة التاريخ، فعندما أصر مجتمع مكة على رفض الحق ومواجهة الرسالة الإلهية، هيأ الله مجتمعاً آخر أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية، فكان مجتمع الأنصار في يثرب هو الحاضنة الجديدة للمشروع الإسلامي، ويكشف هذا التحول عن قاعدة قرآنية مهمة مفادها أن الأمم والشعوب لا تكتسب مكانتها من مجرد انتمائها أو تاريخها، وإنما من موقفها العملي تجاه الحق ومسؤوليتها في حمل الرسالة، ومن هنا فإن الهجرة تقدم درساً بالغ الأهمية للأمة الإسلامية اليوم، وهو أن النهوض والتمكين مرتبطان بالاستجابة للهداية الإلهية، بينما يؤدي الإعراض والتخاذل إلى فقدان الامتيازات والمكانة الحضارية.

 

الأنصار.. النموذج القرآني للأمة المؤمنة

وفي معرض حديثه عن الهجرة يستحضر السيد القائد تجربة الأنصار بوصفها النموذج العملي للأمة التي استجابت للهداية واستحقت شرف النصرة والاصطفاء، فالأوس والخزرج الذين احتضنوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومشروعه الرسالي لم يحققوا هذا الشرف بسبب قوتهم المادية أو مكانتهم الاجتماعية، وإنما بسبب ما تحلوا به من قيم الإيمان والإيثار والتضحية والاستعداد لتحمل المسؤولية، ويبرز السيد القائد هذه التجربة باعتبارها مصدر إلهام للشعب اليمني وللأمة الإسلامية عموماً، خصوصاً وأن الأنصار يمثلون نموذجاً خالداً في نصرة الحق والانتصار لقضايا الأمة مهما كانت التضحيات.

 

الهجرة والتخطيط الاستراتيجي للتغيير

ومن الدروس المهمة التي تستخلصها رؤية السيد القائد أن الهجرة لم تكن انسحاباً من المواجهة أو هروباً من التحديات، بل كانت خطوة استراتيجية ضمن مشروع متكامل للتغيير.

فالنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم انتقل من بيئة أغلقت أبوابها أمام الدعوة إلى بيئة أخرى تملك قابلية الاستجابة والنهوض بالمشروع الإسلامي، وقد تم هذا الانتقال وفق تخطيط دقيق وإعداد محكم يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وتؤكد هذه الحقيقة أن العمل الرسالي الناجح يحتاج إلى البصيرة والتخطيط وحسن إدارة المراحل والمتغيرات، دون التخلي عن المبادئ أو التفريط بالثوابت.

 

الثقة بالله وصناعة النصر

وتبرز في خطاب السيد القائد حقيقة إيمانية كبرى تتمثل في أن رعاية الله لمشروع الحق تمثل العامل الحاسم في مواجهة المؤامرات والتحديات، فعندما اجتمعت قريش على قتل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأحكمت خططها ومؤامراتها، جاءت العناية الإلهية لتفشل تلك المخططات وتفتح أمام الدعوة الإسلامية آفاقاً جديدة للانتشار والتمكين، ومن هنا يؤكد السيد القائد أن الثقة بالله واليقين بوعده يشكلان أحد أهم عناصر الصمود والثبات في مواجهة التحديات مهما بلغت قوتها أو تعاظمت أخطارها.

 

الهجرة وبناء مشروع الأمة

في رؤية السيد القائد لا تنتهي دلالات الهجرة عند لحظة الوصول إلى المدينة المنورة، بل تبدأ منها مرحلة جديدة من العمل والبناء وصناعة الحضارة، ففي المدينة تأسست الدولة الإسلامية، وتكون المجتمع المؤمن، وترسخت قيم العدالة والتكافل والأخوة، وانطلقت الأمة لحمل رسالتها إلى العالم، ولهذا فإن الهجرة تقدم نموذجاً متكاملاً في كيفية الانتقال من واقع الأزمة إلى واقع البناء، ومن حالة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، ومن التشتت إلى وحدة المشروع والهدف.

 

ختاما ..

تكشف قراءة السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي للهجرة النبوية عن رؤية قرآنية شاملة تتجاوز حدود المناسبة التاريخية إلى فهم عميق لسنن الله في التغيير والنهوض الحضاري، فالهجرة في هذه الرؤية ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل مشروع متجدد لصناعة الوعي وبناء الإنسان والأمة، ومصدر إلهام دائم للشعوب الساعية إلى التحرر من الهيمنة والاستكبار.
ومن خلال استحضار دروس الهجرة وسننها الإلهية، يؤكد السيد القائد أن الطريق إلى التمكين يبدأ بالإيمان والوعي وتحمل المسؤولية والالتزام بالمشروع الإلهي، وأن الأمم التي تتمسك بالحق وتتحرك وفق هدى الله هي القادرة على صناعة مستقبلها وتحقيق نهضتها مهما بلغت التحديات والأخطار.