أفق نيوز
الخبر بلا حدود

القرآن مشروع نهضة واستعادة أمة

42

أفق نيوز|  طارق الحمامي

في سياقٍ فكري يتجاوز الطرح الوعظي التقليدي، تبرز رؤية عميقة للشهيد القائد كواحدة من أهم المشاريع الفكرية التي سعت إلى إعادة صياغة وعي الأمة انطلاقًا من القرآن الكريم، ليس بوصفه نصًا تعبديًا فحسب، بل كمنهج شامل للحياة، ويكشف الدرس السادس من دروس رمضان عن جملة من الأبعاد العميقة التي تمسّ جوهر الإشكالية الحضارية للأمة الإسلامية، وتضع يدها على مكامن الخلل التاريخي والمعاصر.

أزمة الانفصال عن المنهج الإلهي

ينطلق الشهيد القائد من فرضية مركزية مفادها أن تراجع الأمة ليس نتيجة نقص في الإمكانات، بل نتيجة انفصالها عن مصدر الهداية الأول، القرآن الكريم، ويقدّم نقدًا حادًا لحالة التراكم المعرفي غير المنتج، حيث تتحول العلوم في ظل هذا الانفصال إلى معارف هامشية لا تخدم قضايا الأمة الكبرى، وجهود ذهنية مهدورة في مسارات غير ذات جدوى، واستنزاف للطاقات البشرية دون أثر حضاري حقيقي، وهنا تتجلى رؤية عميقة تعتبر أن المشكلة ليست في “كمّ المعرفة” بل في “اتجاه المعرفة”، وهو طرح يلامس نقاشات معاصرة في فلسفة العلم حول جدوى المعرفة ووظيفتها.

القرآن كمصدر شامل للوعي

يؤكد شهيد القرآن على شمولية القرآن باعتباره مرجعًا معرفيًا متكاملًا، {تبيانًا لكل شيء} ، ومصدرًا لبناء الوعي والبصيرة، وبديلًا عن الاجتهادات البشرية المحدودة، ويطرح الشهيد القائد مفهومًا مهمًا يتمثل في أن القرآن ليس مجرد كتاب هداية فردية، بل هو مشروع حضاري متكامل قادر على إنتاج إنسان واعٍ يمتلك رؤية شاملة للحياة، هذه الرؤية تعيد الاعتبار لفكرة “المرجعية العليا للنص القرآني”، في مقابل الاعتماد المفرط على التنظيرات البشرية التي قد تنحرف عن المسار الإلهي.

سؤال الريادة الضائعة

من أبرز الدلالات التي يطرحها النص هي إشكالية فقدان الريادة الحضارية، حيث يشير إلى أن الأمة الإسلامية كان يُفترض أن تكون في طليعة الأمم علميًا ومعرفيًا، لكن الواقع يعكس عكس ذلك، وهو ما يدفع إلى طرح تساؤلات جوهرية،
لماذا سبقت الأمم الأخرى في مجالات العلم والتقنية؟
أين كان المسلمون خلال لحظات التحول الكبرى في التاريخ؟
وهل كان التراجع حتميًا أم نتيجة خيارات خاطئة؟
الإجابة التي يقدمها الشهيد القائد ترتكز على الإهمال التاريخي للمنهج القرآني، وهو ما أدى إلى فقدان البوصلة الحضارية.

قراءة في سنن الصراع

يتناول شهيد القرآن بوضوح طبيعة العلاقة مع “العدو”، خاصة في سياق الصراع الحضاري، مستندًا إلى قوله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ}، ويقدم تحليلًا قائمًا على عدة مرتكزات،
أبرزها أن الصراع ليس طارئًا بل متجذر في دوافع داخلية لدى الآخر، وأن الاستهداف لا يرتبط بسلوكيات آنية بقدر ما يرتبط بالهوية والانتماء، والضعف الداخلي هو ما يفتح الباب للهيمنة الخارجية، كما يلفت إلى أن الاسترضاء أو الصمت لا يغيّر من طبيعة هذا الصراع، بل قد يعزز من حالة التبعية.

تحميل المسؤولية التاريخية

من الجرأة الفكرية في الطرح تحميل “السابقين” جزءًا من المسؤولية، خصوصًا أولئك الذين عاصروا بدايات النهضة الغربية، وهنا لا يأتي النقد بهدف الإدانة، بل بهدف استخلاص الدروس التاريخية، وتفكيك أسباب التراجع، ومنع تكرار الأخطاء، ويؤكد هذا الطرح أن النقد الذاتي شرط أساسي لأي نهضة حقيقية.

الدعوة إلى مشروع نهوض شامل

لا يكتفي الشهيد القائد بالتشخيص، بل يدعو إلى مسار عملي يتمثل في العودة الجادة إلى القرآن كمصدر للتوجيه، وبناء قاعدة علمية قوية مرتبطة بالهوية، واستثمار الطاقات والمواهب في مسارات استراتيجية، والاستعداد لمواجهة التحديات الحضارية، وهذا يعكس انتقال الخطاب من الوعظ إلى الفعل، ومن التنظير إلى التغيير.

ختاما ..

يقدم الشهيد القائد في هذه الرؤية مشروع فكري متكامل يسعى إلى إعادة بناء الإنسان والأمة على أسس قرآنية واعية، وتتمثل أبرز دلالاته في إعادة تعريف المعرفة بوظيفتها الحضارية
التأكيد على مركزية القرآن في صناعة الوعي
فهم سنن الصراع والتاريخ بعمق، والدعوة إلى نهضة قائمة على الوعي والمسؤولية، وفي ظل التحولات العالمية الراهنة، تكتسب هذه الرؤية أهمية متزايدة، باعتبارها محاولة جادة للإجابة على سؤال جوهري هو ، كيف يمكن للأمة أن تستعيد دورها الحضاري؟