الحصار بالحصار.. دلالات استمرار التصعيد اليمني واستهداف التحشيدات السعودية وأدواتها
أفق نيوز| طارق الحمامي
تواصل القوات المسلحة اليمنية، تثبيت معادلة عسكرية عنوانها «الحصار بالحصار»، عبر الرد على التحشيدات والتصعيد العسكري باستهداف مباشر للقدرات والتجمعات العسكرية، وكان آخر ذلك ما أعلنه المتحدث الرسمي للقوات المسلحة عن تنفيذ عملية صاروخية استهدفت تحشيدات وأسلحة تابعة للسعودية وزوارق حربية تابعة للقوات الموالية لها في منطقة المخا، مؤكدًا إصابة الأهداف بدقة وتدمير الزوارق والأسلحة وسقوط قتلى وجرحى، وتكتسب العملية أهمية خاصة من تأكيد القوات المسلحة استمرارها في «استهداف أي تحشيدات عسكرية تابعة للعدو السعودي أينما كانت»، بما يحول العملية من رد ميداني محدود إلى رسالة ردع أوسع، مفادها أن إعادة بناء القوة العسكرية أو تجميعها لن يكون بمنأى عن الاستهداف.
التحشيد تحت الاستهداف
تعكس المعادلة الجديدة انتقالًا من انتظار الهجوم إلى محاولة استهداف البيئة التي تسبقه، فالتحشيدات تمثل، في الحساب العسكري، مقدمة لعمل هجومي، ولذلك فإن ضربها يهدف إلى تعطيل القدرة على تحويل القوة المتجمعة إلى عملية ميدانية، ومن هنا تأتي أهمية استهداف الأفراد والأسلحة والزوارق في عملية واحدة؛ إذ تشير القوات المسلحة اليمنية إلى محاولة ضرب عناصر القوة البرية والبحرية معًا، وتقليص هامش الحركة والمناورة على الساحل.
المخا.. موقع يتجاوز الجبهة المحلية
تضاعف جغرافية المخا من أهمية أي تصعيد فيها، فالمنطقة تقع على الساحل الغربي وتشرف على البحر الأحمر، ما يجعلها تجمع بين البعد العسكري البري والبعد البحري، فضلًا عن ارتباطها بالحسابات الإقليمية والدولية المتعلقة بأمن الملاحة، وبالتالي، فإن استهداف زوارق حربية في هذه المنطقة، إذا تأكد ميدانيًا، لا يحمل دلالة عسكرية فحسب، بل يوجه رسالة بأن المجال البحري أيضًا يدخل ضمن حسابات الردع والاستهداف.
البعد النفسي والاستراتيجي
لا تقاس العمليات العسكرية بحجم الخسائر المادية وحدها، بل بما تفرضه من تغييرات في حسابات الخصم. فعندما تصبح التحشيدات نفسها أهدافًا محتملة، فإن ذلك قد يدفع إلى إعادة النظر في حجم التجمعات ومواقع الانتشار وآليات الحركة والتقدم، وهنا تتحول معادلة «الحصار بالحصار» إلى أداة ضغط سياسي أيضًا؛ إذ تهدف إلى رفع تكلفة الخيار العسكري المقابل، ودفع الأطراف إلى إدراك أن التصعيد لن يبقى باتجاه واحد.
رسالة مباشرة للسعودية
إسناد التحشيدات المستهدفة إلى السعودية في الخطاب العسكري اليمني يحمل الرياض مسؤولية أي تصعيد جديد، وعدم التعامل مع القوات الموجودة في الميدان باعتبارها طرفًا منفصلًا عن القرار الإقليمي، وبذلك تصبح الرسالة مزدوجة، عسكرية للقوات الموجودة في الساحل، وسياسية للجهة التي تقول صنعاء إنها تقف خلف التحشيد.
استمرار التصعيد أم إعادة الحسابات؟
يفتح التطور الأخير عدة احتمالات، أبرزها استمرار دورة الردع، أو اتساع نطاق المواجهة إذا استمرت عمليات التحشيد، أو اتجاه الأطراف إلى إعادة حساباتها العسكرية نتيجة ارتفاع تكلفة التصعيد، وفي المقابل، قد يؤدي ارتفاع كلفة الخيار العسكري إلى تعزيز المسار السياسي، عندما تصبح الضغوط المتبادلة أكثر قدرة على دفع الأطراف نحو التفاوض بدلًا من توسيع المواجهة.
ختاما ..
العملية المعلنة في المخا لا تبدو، وفق الخطاب العسكري للقوات المسلحة اليمنية، مجرد ضربة منفردة، بل حلقة ضمن محاولة لتثبيت معادلة ردع مستمرة، التحشيد سيقابله استهداف، والضغط سيواجه بضغط مضاد، والساحل الغربي لن يكون مساحة آمنة لإعادة بناء قدرات هجومية دون تكلفة، وتبقى أهمية التطور في مدى قدرة هذه المعادلة على تغيير حسابات العدو ؛ فالسؤال الأبرز ليس فقط ماذا استهدفت العملية، وإنما هل أصبح مجرد التحشيد العسكري عاملًا يفرض على العدو حساب التكلفة ؟ وهنا تكمن الدلالة الاستراتيجية الأوسع لمعادلة «الحصار بالحصار».