أفق نيوز
الخبر بلا حدود

“سيدي هاشم” سيف الرهان في معركة الوجود التي حطمت أساطير الردع الصهيوني

51

أفق نيوز| محسن علي

 يزخر سجل يمن الـ21 من سبتمبر في تاريخه الحديث بالمئات من القادة العظام الذي جعلوا من اليمن رقماً صعباً يحسب له ألف حساب في هذه المرحلة المفصلية, بفضل سبقهم وصبرهم وتضحياتهم ودمائهم الزكية ,ومن بين هذه الكوكبة المضيئة، يبرز اسم الشهيد القائد اللواء الركن محمد عبد الكريم الغماري، المعروف بلقبه الجهادي “سيدي هاشم”، كأيقونة عسكرية تجاوزت حدود الجغرافيا لتصبح رقماً صعباً في معادلة الصراع الكوني ضد قوى الطاغوت والاستكبار العالمي، وأبرز المهندسين العسكريين الذين قادوا القوات المسلحة اليمنية في أحلك الظروف وأصعب التحديات، بل يعتبر العقل المدبر الذي نقل اليمن من حصار “العشر سنوات” إلى حصار “البحار السبعة” للكيان الصهيوني المجرم.

 

نشأة قائد ومسيرة جهادية مبكرة

ولد الشهيد محمد عبد الكريم الغماري في الأول من يناير عام 1982م، في عزلة ضاعن بمديرية وشحة بمحافظة حجة، أو في منطقة غُمار بمديرية المدان التابعة لمحافظة عمران حسب بعض المصادر، نشأ وترعرع في العاصمة صنعاء، حيث أظهر منذ صغره ذكاءً وفطنةً والتزاماً أخلاقياً عالياً، تخرج من الثانوية العامة بتقدير امتياز، والتحق بقسم الصيدلة في كلية الطب بجامعة صنعاء، مما يدل على نبوغه الأكاديمي, لكن نداء الواجب والمسؤولية تجاه الأمة كان أقوى من طموحات الطب الشخصية.

 

شخصية من الرعيل الأول

في مطلع الألفية الثالثة، ومع بزوغ فجر المشروع القرآني الذي قاده الشهيد القائد السيد المؤسس حسين بدر الدين الحوثي “رضوان الله عليه”، كان الغماري من أوائل الملتحقين بهذا المشروع النهضوي التحرري وممن انخرطوا تحت لوائه بشكل مبكر، كما يعتبر من الرعيل الأول الذي دفع ثمن الموقف صبراً وثباتاً خلف قضبان السجون لثلاث سنوات تحت ظروف قاسية، أنذاك في ظل سلطات نظام العمالة بقيادة الصريع علي عبد الله صالح بين عامي 2003 و2006، بسبب تأييده لمشروع السيد حسين وترديد شعار “الصرخة” المناهض للهيمنة الأمريكية ، هذا “الاعتكاف القسري” في زنازين النظام السابق لم يكن إلا مرحلة إعداد روحي وفكري، ولم تزده إلا إيمانيا وثباتا، ثم خرج منها الغماري بعزيمة لا تلين، لينطلق مباشرة إلى جبهات القتال في صعدة، مشاركاً في الحروب الظالمة التي شُنت على المشروع، حيث صُقلت موهبته القيادية في خضم المعارك الميدانية القاسية.

بعد تحرره من السجن، انخرط الغماري مباشرة في ميادين الجهاد، وشارك بفاعلية في الحروب الأربع والخامسة والسادسة التي شنها النظام السابق على محافظة صعدة، خلال هذه الفترة، برزت قدراته القيادية والميدانية، وأصبح اسمه الجهادي “هاشم” يتردد في صفوف المجاهدين, ولذا فإن شخصيته ومسيرته لم تكن مسيرة عسكرية تقليدية، بل كانت رحلة صاغتها الأقدار وصقلتها المحن.

 

سمات وصفات إيمانية

لقد كان الغماري هادئاً، ليّناً، حسن الطبع، بشوش الوجه في أوقات السلم، وسرعان ما يتحول إلى أسد هصور وإعصار مدمر على الأعداء في أوقات الشدائد والحروب.

 

العبقرية الهادئة.. من مقاعد الطب إلى قيادة الأركان

عندما تولى اللواء الغماري رئاسة هيئة الأركان العامة في عام 2016، كان اليمن يواجه عدواناً كونياً وحصاراً شاملاً، وكانت الرهانات الدولية تُجمع على سقوط صنعاء خلال أسابيع. لكن “سيدي هاشم” كان له رأي آخر. بعبقرية استراتيجية نادرة، أشرف على إعادة هيكلة القوات المسلحة، محولاً إياها من جيش تقليدي إلى قوة ضاربة تعتمد على الابتكار والتكيف.

تحت إشرافه المباشر، وُلدت “معجزة” التصنيع العسكري اليمني. فمن ورش بسيطة وتحت القصف، خرجت الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة التي وصلت إلى أبعد نقطة في عمق دول العدوان. لم يكن الغماري مجرد قائد يصدر الأوامر، بل كان المهندس الذي يتابع أدق التفاصيل التقنية، والمخطط الذي يرسم مسارات العمليات الكبرى مثل “نصر من الله” و”البنيان المرصوص”، التي أذهلت الخبراء العسكريين بقدرتها على الحسم والتنكيل بجحافل المعتدين.

 

من الظل إلى الواجهة.. مهندس الانتصارات الاستراتيجية

مع تصاعد الأحداث ودخول اليمن مرحلة العدوان في مارس 2015، خرج اللواء الغماري من الظل إلى الواجهة، حيث تم تكليفه بقيادة رئاسة هيئة الأركان العامة، هذا المنصب جعله القائد الميداني الأول لكل العمليات العسكرية، ليقود القوات المسلحة اليمنية بكل جدارة واقتدار في مواجهة العدوان الشرس.

خلال فترة قيادته، التي امتدت لسنوات حاسمة، أشرف الشهيد الغماري على تطوير غير مسبوق للقدرات العسكرية اليمنية، خاصة في مجال الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيرة. قاد العمليات الدفاعية والهجومية في قرابة 50 جبهة داخل اليمن، محققاً انتصارات استراتيجية غيرت موازين القوى، ومن أبرزها:

عمليات الردع الاستراتيجية: استهداف العمق السعودي والإماراتي بالصواريخ والطائرات المسيرة، مثل ضربة معسكر إماراتي في مأرب، وضربة “شعب الجن” في محيط باب المندب، وضربة بقيق وخريص التاريخية في أواخر عام 2019م، هذه الضربات أثبتت قدرة اليمن على الوصول إلى أهداف حيوية للأعداء.

العمليات البرية الكبرى: قاد عمليات عسكرية نوعية مثل “نصر من الله”، “البنيان المرصوص”، وعملية “فأمكن منهم”، التي حققت تقدماً كبيراً في تحرير الأراضي اليمنية.

تحت قيادته، تحول اليمن من قوة محلية تواجه عدواناً وحصاراً، إلى قوة إقليمية يَحسب لها الأعداء ألف حساب، مؤكداً أن التحديات والحروب لا تضعف اليمن بل تزيده قوة وتطوراً وخبرة.

 

“سيدي هاشم” وكابوس الصهاينة: معادلة “طريق القدس”

لم يكن الغماري يرى في معركة اليمن إلا جزءاً من معركة الأمة الكبرى لتحرير المقدسات. ومع انطلاق “طوفان الأقصى”، تجلت عبقريته في أبهى صورها، لقد كان المهندس الحقيقي للحصار البحري الذي فُرض على الكيان الصهيوني، محولاً البحر الأحمر وباب المندب إلى مناطق محرمة على سفن العدو.

بإشرافه، وصلت الصواريخ اليمنية “فرط الصوتية” إلى قلب يافا المحتلة، محطمةً أسطورة “الدفاعات الجوية” التي لا تُقهر, وحينها أدرك العدو الصهيوني أن الغماري ليس مجرد قائد عسكري، بل هو عقل استراتيجي يدير معركة “إسناد” بذكاء يفوق قدراتهم على التنبؤ، ولهذا وضعه الكيان على رأس قائمة الاغتيالات، مدركاً أن غيابه قد يمنحهم متنفساً من الكوابيس التي كان ينسجها لهم ليل نهار.

 

الإنسان والقائد.. هدوء الأسد قبل الوثبة

من عايش الشهيد الغماري يجمع على صفة واحدة: “الهدوء العجيب”، كان “سيدي هاشم” بشوش الوجه، لين الجانب مع رفاقه، متواضعاً إلى حد الذهول، لا يُعرف عنه حب الظهور أو التفاخر، لكن هذا الهدوء كان يخفي خلفه إعصاراً مدمراً للأعداء، كان يتميز بقدرة فائقة على التكيف مع أصعب الظروف، والابتكار في أحلك اللحظات، وهو ما أكده قائد الثورة السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي في رثائه له.

 

شهيد على طريق القدس

في السادس عشر من أكتوبر عام 2025م، ارتقى القائد اللواء الركن محمد عبد الكريم الغماري شهيداً، مع عدد من مرافقيه ونجله ملتحقا بركب الشهداء والقادة العظام، في معركة “الفتح الموعود والجهاد المقدس”، وهو يؤدي واجبه الجهادي في إسناد غزة، فلم تكن شهادته نهاية لمسيرته، بل كانت ولادة جديدة لإرث عسكري وفكري سيظل يُدرس في الأكاديميات العسكرية، رحل الغماري تاركاً خلفه جيشاً لا يُقهر، ومنظومة ردع تحمي سيادة اليمن , و تتويجاً لمسيرة حافلة بالعطاء والتضحية، ومثالاً حياً على أن الإيمان الصادق يتحول إلى فعل يغير وجه التاريخ.

 

ختاما..

من زنازين الصبر في صنعاء إلى غرف العمليات الاستراتيجية التي أدارت “طوفان الأقصى” ببراعة مذهلة، رحل الغماري تاركاً خلفه إرثاً عسكرياً حطم أساطير “التفوق التكنولوجي” الغربي، وأثبت أن الإيمان اليماني هو السلاح الذي لا تخطئ بوصلته طريق القدس، ليرتقي شهيداً في محراب العزة، مخلداً ملحمة قائد صاغ بذكائه الهادئ ودمه الطاهر والزكي ملامح عصر السيادة والحرية لليمن وللأمة.